الوظيفة: أم بدوام كامل

تطوير ذاتي

يبدأ اليوم بصراخ كائن صغير الحجم جدًا تبدأ معه دوامة من الطلبات الأساسية ليظل على قيد الحياة، ومن يقوم بها سواي؟

أنا أم.. أم هذه المخلوقة الصغيرة؟ رضاعة، وتغيير حفاض، ومحاولات تنويم تبوء بالفشل في أغلب الوقت.. رضاعة مرّة أخرى، وتكريع، وهدهدة، وتغيير حفاض.. بكاء بدون سبب، ومعاناة مع المغص والغازات وتقلبات الجو، وضخ حليب الثدي لأنعم بساعة واحدة من النوم المتواصل، ثم انهيار وبكاء مرة أخرى.

تتصاعد ذروة الأحداث وينتهي اليوم نهاية درامية جدًا تعرفها كل أم جديدة..ويصاحبه شعور بأن "حياتي انتهت حرفيًا للأبد".

أنا مين؟

كان يومي قبل مجيئ طفلتي للعالم ممتلئًا بالطموح والخروج والسفر وامتلاك الوقت. أذهب وراء أحلامي العملية أينما كانت، حتى وضعت طفلتي وبدأت إجازة الولادة، فتغير كل شيء للنقيض.

خلال الأسابيع الأولى من عُمر صغيرتي، أصبت ببعض الاكتئاب أو ربما هو اكتئاب فعلي، لا أدري.

كنت أتهرب من نظرة زميلات العمل عند زيارتي في المنزل وسؤالي متى سأعود؟، ومن نظرة الأصدقاء المحيطين بي وسؤالهم "ها بقى هترجعي تشتغلي ولا خلاص كده؟".. ومن نظرة مديري العمل بعد أول اجتماع لنا حين قررت أن أترك وظيفتي بدوام كامل وأعمل بشكل حر لأتمكن من رعاية طفلتي..

كل شيء عاد لنقطة الصفر فجأة، بل زائدًا على ذلك المزيد من المسؤوليات أيضًا، وللعجب بدأت الفرص العظيمة التي كنت أسعى إليها سابقًا كإعلانات مغرية أمامي، لكن الفرص الآن لم تعد مناسبة لي، فأنا أم.. لدي وظيفة أخرى بدوام كامل 24 ساعة يوميًا وليس 8 ساعات فقط.. تلك الوظيفة التي لم أشعر بمدى عظمتها إلا لاحقًا.

نقطة التحول

مرّت أشهر قبل أن أقرر بالفعل من أنا وما الذي أريده في المرحلة القادمة من حياتي. ضبطت نفسي أكرر إجابة واحدة لكل من يسألني عن العمل: " لا أنا مسيبتش الشغل..هارجعله لما البنت تكبر شوية"..

كنت أخجل من الاعتراف أنني في إجازة وضع طويلة؛ وكأنها سُبة، أرهق نفسي وأسحقها يوميًا حتى أثبت للآخرين أنني لازلت هنا، كنت أكتب وأعمل حتى خارت قواي وتوترت علاقتي بطفلتي.

ها؟ ماذا لو أنني لا أريد العودة لحياتي السابقة قبل الولادة أصلاً؟ هل هذا خطأ؟!

لماذا ربطت سعادتي وتحقيقي لذاتي ونجاحي في الحياة بعملي فقط؟!

ألا يكفي كوني أمًا أربي طفلة صغيرة؟!

إنها مسؤولية مميزة ومختلفة تمامًا، لا يهبها الله إلا لمن يشاء.

وظيفة مقدسة

كانت طفلتي في تلك الأثناء تكبر، وتتعلم أشياءً جديدة، وكنت أتعلم معها وأكتشف ذاتي من البداية. تزداد طفلتي ذكاءً وبريقًا وأزداد أنا خبرة وإدراكًا وتطورًا.

ألتقط أنفاسي معها دون ضغط عصبي وأعود لعملي تدريجيًا مع مزيد من الخبرة، فأدرك أن الأمومة لم تكن قط عائقًا، بل بناء جديد وإعداد للجسد وشفاء للروح لتصير كل أم أقوى قلبًا وقالبًا.

 أدركت بالفعل أن الأمومة ليست سجنًا، لكن المجتمع فقط هو من يضع كل أم في قالب يجعلها تظن أن الأمومة وحدها لا تكفي لتكون ناجحة، أو ربما قد تقع الواحدة منّا في سجن الأمومة عندما تبتعد عن الدنيا كلها أو تغلق على نفسها وعقلها.

وهل الأمومة والتربية ليست أعظم وظيفة في العالم؟!

معظم صديقاتي وقعن أيضًا في الفخ نفسه، ومررن بالمشاعر نفسها من إنكار الذات والإحساس بالدونية أو أن حياتهن توقفت مع الإنجاب، وترى في عيون الجميع أن كل أم جديدة مكانها المنزل حتى لا تزعج الآخرين بصراخ طفلها، وقد يتحسر الأقارب والأصدقاء على سنوات الدراسة والتألق التي "يا خسارة هتضيع عليكي بقعدة البيت"، في الوقت نفسه الذي كان فيه هؤلاء الأقارب والأصدقاء أنفسهم من دفعن تلك الشابة دفعًا للزواج والإنجاب رغبة في رؤية الأحفاد الصغار :).

هل الاستمتاع بالأمومة في مراحلها الأولى التي تبني شخصية الطفل وعلاقته بأبوية، جُرم؟!

لقد صارت الأم حالة عامة نراها في أمهات جيلي كلهن تقريبًا، حالة من نكران الذات والشعور بتضاؤل القيمة جنبًا إلى جنب مع زيادة مسؤوليات الأمومة، حتى كره بعضهن كونهن أمهات من الأساس أو أخذن قرارًا بعدم تكرار تجربة الإنجاب مرة أخرى بكل قوتهن.

والحقيقة التي لا شك فيها أن الأمومة مسؤولية وقرار تتغير معه حياتك للأبد، لكنه تغير للأفضل إن قررت ذلك، وهي ليست "علقة" أو "نهاية العالم" أو سجنًا إلا لو أردت أنت ذلك، فأنا شخصيًا لم أفني نفسي في الأمومة تاركة كل المتع تمامًا فهذا أيضًا ليس أمرًا سليمًا، لكنني صرت أقدس وظيفتي كأم متفرغة نسبيًا في تلك المرحلة الأولى التي ابني فيها شخصية طفلتي.

لقد كان الخيار واضحًا بالنسبة لي عندما سألت نفسي من سأبني؟ هل طفلة سوية أم كيان عمل لست بطلته الوحيدة؟ ولم يستغرق التفكير ثوانٍ لتفوز صغيرتي بي.

أم وكفى

"ردديها لنفسك يوميًا بفخر، أنتِ أم عظيمة طالما صغارك سعداء وهذا يكفي"

تذكري أن مراحل الأمومة الأولى سرعان ما ستمر، وستمتلكين الوقت للعمل والتنزه بمفردك مرة أخرى، سيبدأ يومك بعد سنوات قليلة بابتسامة صغارك، ووقت حديث وأسرار وحكي لا ينقطع مع أطفال أسوياء لديهم رصيد لا ينتهي من الحب والرعاية، في منزل يحمل في كل ركن به ذكرى دائمة عن أمومتك المليئة بالمتعة والإرهاق والتعب اللذيذ.

تذكري كونك البطلة الأولى والوحيدة في حياة صغارك.. أنتِ السند والحماية والملاذ من العالم.

 ستعود حياتك العملية وتتألق من جديد بخبرة وحنكة أكبر بعد اكتساب تلك الاحترافية مع أطفالك في كل مرحلة من مراحل حياتهم، وبعد امتلاك مهارات جديدة لم تتخيلي أن تفجرها الأمومة بكِ.. إنها خبرة عن كل ما أضافته وستضيفه لكِ أمومتك في السنوات المقبلة..لن تختفي مسؤولياتك بالتأكيد لكنها ستصبح أكثر روعة ونضجًا.

ستفخرين حينها كونك أمًا، وستذهبين للنوم مساءً وأنتِ تشعرين حرفيًا في كل خلية فيك "أن حياتي لم تكن لتصبح بهذه الروعة والثراء دون الأمومة".

عودة إلى منوعات

باسنت إبراهيم إبراهيم إبراهيم

بقلم/

باسنت إبراهيم إبراهيم إبراهيم

أتمنى أن أكون سوبر ماما، بعد أن أنجبت صغيرة جميلة فريدة عمرها شهور، أتعلم معها الصبر والأمومة وتلهمني بالعديد من الأفكار عن رعاية الرضع والاهتمام بهم مع عالم كامل من السهر والصبر الشديد.

موضوعات أخرى
J&J GCC
Share via WhatsappWhatsapp IconSend In MessengerMessenger IconShare via FacebookFacebook Icon