قرأت لكِ: سائح في دنيا الله

كتب وسينما

كان عبد الوهاب مطاوع ضيفنا المحبوب صباح أيام الجمع مع كوب من الشاي بعد تناول الإفطار، حيث نجتمع على كلامه، ونتبادل القراءة بصوت مسموع، وكنا لا نكتفي بقراءة المشكلة، وإنما كان علينا قراءة الرد الحكيم البليغ لنتعلم.
ظلت تلك عادتي منذ السادسة عشرة وحتى رحيله، حينها بدأت أبحث عن جميع كتبه رغبة في اقتنائها، واكتشفت وقتها أنه - رحمه الله - لم يكتب في المشكلات الاجتماعية فحسب، وإنما أهدى إلى المكتبة العربية مجموعات قصصية وكتابين في أدب الرحلات، أقدم لكم اليوم واحدًا منهما.

  • بمقدمة بليغة يبدأ كتابه بعبارة لأرسطو:

    • «الدهشة بداية المعرفة!» هكذا قال أرسطو.. وهكذا أثبتت لي أيضاً تجربة الأيام، ولقد طفت في شرق البلاد وغربها مفتوح الفم من الدهشة لكل شيء أراه وأسمعه.. فعرفت أشياء لم أكن لأعرفها، لو لم أندهش لما رأيت وسمعت في أرض الله الواسعة.
    • تتوالى بعدها فصول الكتاب، في كل فصل يزور بلداً أو مدينة جديدة، يبدأ بعبد الوهاب الصغير ذلك الطفل الذي تمنى مراراً أن يخرج من بلدته دسوق ليزور القاهرة أو الأسكندرية، فيروي مشاعره الصغيرة: ( شاهدت لكِ: أفلام ترفيهة للأسرة بنهاية الأسبوع )
    • كالحلم الملون الجميل كانت تترائا لي القاهرة من بعيد وأنا صبي يعيش في مدينة صغيرة وهادئة من مدن الوجه البحري! حلم نسجت خيوطه الذهبية متابعتنا للأفلام السينيمائية القديمة، التي تبدو فيها شوارع القاهرة واسعة وجميلة.. ومبانيها فخيمة .. وحدائقها رحيبة ومساكنها فسيحة ويعمل بها خدم يرتدون القفطان الأبيض والحزام الأحمر.. أما صورة المسكن التقليدي لأبناء القاهرة كما قدمتها لنا هذه الأفلام، فقد كانت دائماً هي الفيللا الواسعة، التي يتصدر بهوها سلم رخامي عريض ينزل منه «الباشا» مرتدياً روباً قصيراً كالجاكيت فوق البنطلون، ويمسك بيده «بايب» إنجليزية عريقة، ويلف حول عنقه كوفية أنيقة.. ويتساءل بوقار: في إيه يا عثمان!
    • يتجول بنا عبد الوهاب مطاوع بعدها بين عشرات الدول الأجنبية والعربية الشيوعية والرأسمالية الإسلامية والمسيحية السنية والشيعية المنغلقة والمتفتحة، لنرى جانباً لا نراه، فتضحك حيناً وتغضب حيناً وتعجب أحياناً أخرى، يرى حينها جمال مصر أم الدنيا، وطيبة وود شعبها الجميل العريق على الرغم من كل شيء.. «الإحساس بالاستعلاء العنصري والنفور من الأجانب الكامن في الأعماق، لا ينفرد به الأوربيون وحدهم.. فمعظم أبناء شعوب العالم القديم ينطوون عليه، ولقد عاش الصينيون على سبيل المثال قروناً طويلة وهم يعتبرون الأجانب ومن هم غير صينيين أرواحا شيطانية».   ( قرأت لك: كتب مميزة لتنمية حياتك و أطفالك )
    • ولا أكاد أرى شعبا نجا من هذا الإحساس بالنفور من الأجانب والغرباء كالشعب المصري العريق، الذي لا يكتفي فقط بالانفتاح على الغرباء بسهولة، بل يحبهم أيضاً ويستوي عنده في ذلك السويسري والأمريكي مع الهندي والباكستاني والتشادي وابن قبائل «الزولو» من جنوب أفريقيا، فهل يستطيع أحد من علماء الأجناس وطبائع الشعوب أن يفسر لنا هذه الظاهرة الفريدة!
    • وفيه ترين أن السفر يحمل لكِ فوق المتعة، المعرفة وحب الوطن والحكمة.. «أنت لم تر انجلترا.. إذا كنت لم تر فى البلاد سوى انجلترا».
    • عبارة غريبة قالها الشاعر الإنجليزى رديارد كبلنج، ولم أفهم مغزاها للوهلة الأولى.. ولم أستوعب معناها العميق، إلا حين سافرت لأول مرة من مصر وزرت «بلاد الله...خلق الله»، إنه يقصد بها أنك إذا كنت إنجليزيا تعيش فى انجلترا وولدت ومت فيها دون أن ترى غيرها من البلاد، فأنت لم «تر» انجلترا نفسها، أى لم تعرفها حق معرفتها.. لأنك لم تر من البلاد سواها، ولم تتح لك فرصة المقارنة بينها وبين غيرها من البلاد، لتحكم لها أو عليها.
    • في وسط كل تلك المتعة والسفر والتجوال، ستتمتعين بدروس تربوية بديعة عندما يبدأ الحديث عن والده: الحق أنني حينما أراجع الآن منهج أبي في التربية وأنا أب لأبناء في مرحلة الشباب، وقد تخطيت الخمسين من عمري، أجدني شديد الإعجاب بمنهجه التقدمي هذا بالقياس إلى زمنه، إذ لم يكن يضرب أبناءه أبداً، ولم يكن يزيد عقابه للمخطئ منهم عن التجهم في وجهه بعض الوقت، يذوب خلاله المخطئ خجلاً من نفسه، ويتحرق شوقًا لاسترضائه ونيل عفوه، كما كان يفيض حنانًا ورقة لأبنائه، وفي مسيرتي الدراسية كلها لم يؤنبني يومًا بحدة. ( اقرأي أيضا : كتب خفيفة لتشجيعك أنتِ و صغارك على القرأة )
    • الكتاب ممتع للغاية، ويحمل دروساً وصوراً وعبراً ومعارف، ستتمتعين بقراءته أنتِ أو زوجك، وسيتمتع أبنائك بذلك إن كانوا في عمر المراهقة، يمكنك أيضاً مناقشته معهم، فصوله غير مرتبطة، وهو ما يجعله كتاباً صالحاً للقراءة الجماعية والمتقطعة في كل يوم فصل مثلاً، أو أن يقرأ كل فرد من العائلة فصلاً يرويه للآخرين.
موضوعات أخرى
التعليقات