العيدية...عادة تاريخية وقيمة تربوية

منوعات

صباح يوم العيد.. ارتديت ملابسى الجديدة، ومشطت شعرى، وبدأت أطوف على كبار العائلة أهنئهم بقدوم العيد وأجمع العيدية، وكلما أعطانى أحد العيدية، أظل أعد النقود لأرى كم جمعت، هكذا كنت أفعل وأنا صغيرة، وفى الحقيقة مازلت أفعل حتى الآن!

يا ترى ما أصل هذا التقليد بإعطاء العيدية للأطفال فى الأعياد؟ وكيف يمكن أن يستفيد أبنائنا بالعيدية بدلاً من إنفاقها كلها فيما لا يفيد؟ بل كيف يمكن أن نوظفها بشكل تربوى نعلمهم من خلاله مهارات مهمة وقيماً فاضلة؟

تعالوا نبدأ بالسؤال الأول: ما هى قصة العيدية؟

ترجع هذه العادة إلى عصر المماليك، حيث كان السلطان مع قدوم العيد يوزع مقداراً من المال، يسمى «الجامكية»، على أتباعه من الجنود والأمراء وكل من يعملون معه، وكانت قيمة هذا المال تختلف تبعاً للراتب، فللبعض كانت عبارة عن طبق مملوء بالدنانير الذهبية، بينما كانت تُقدم للبعض دنانير من الفضة، بالإضافة إلى الدنانير كانت تقدم المأكولات الفاخرة، وفي العصر العثماني تنوعت أشكال العيدية التى كانت تُقدم للأطفال ولم تعد تقتصر على المال، واستمر هذا التقليد حتى عصرنا هذا، ويبدأ الكبار فى الأيام التى تسبق العيد بتجهيز أوراق وعملات نقدية جديدة لإدخال البهجة والفرحة على قلوب الأطفال فى العيد

إقرأي أيضاً: (نصائح سريعة و فعالة لتنظيف البيت قبل العيد)

. كيف يستفيد أبنائك بالعيدية؟

العيدية فرصة ممتازة لتعليم أطفالنا – كبروا أم صغروا - الكثير من القيم والمهارات كالتخطيط، وترتيب الأولويات، وضبط النفس، والادخار، والإحساس بالآخرين، وهذا ليس معناه التضييق عليهم أو حرمانهم من الاستمتاع بالعيدية، لكن دورك أن تعلميهم ترشيد هذا الإنفاق، اجلسى مع ابنك واتفقى معه على تقسيم العيدية إلى ثلاثة أجزاء:

جزء «المتعة»: ينفقه كيفما شاء على شراء الحلوى والألعاب، الخروج مع الأصدقاء، تناول الطعام فى المطاعم.. إلخ، كما يحب الأطفال عادة. ماذا لو كان ابنك يرغب فى شراء الكثير من الأشياء؟ لا تتهميه بالإسراف، لكن استغلى الفرصة لتعلميه ترتيب الأولويات والموازنة بين الخيارات المختلفة، حتى تتكون لديه شخصية مستقلة قادرة على التفكير واتخاذ القرار، شاركيه فى التخطيط لإنفاق العيدية، واتركى له القرار الأخير حتى لو كان رأيه مختلفاً عن رأيك، فهكذا يتعلم اتخاذ قراراته بنفسه وتحمل مسئوليتها.

إقرأي أيضاً: (كحك العيد)

مثال: لو كانت ابنتك ترغب فى شراء بلوزة، وترغب أيضاً فى الخروج مع أقاربها وأصدقائها إلى الملاهى وتناول الغداء فى أحد المطاعم، وليس معها سوى مائة جنيه، فماذا تفعل؟ بالنسبة للبلوزة: الملابس تكون غالية الثمن فى العيد، لذا من الأفضل أن تنتظر الأوكازيونات، إلا أن عيب الانتظار أنها ربما لا تجد نفس البلوزة، لكن هذا العيب يمكن الرد عليه بأنها قد تجد أشكالاً وألواناً أخرى تعجبها أكثر. أما النزهة مع الأقارب والأصدقاء: فسوف تقضى وقتاً سعيداً معهم، وربما لا يستطيعون أن يجتمعوا ويخرجوا معاً فيما بعد بسبب الانشغال بالدراسة باقى العام، أو لأن ظروف الناس تتغير من وقت لآخر.

جزء «الادخار»: يدخره لشىء يريد شراءه، وإذا كان هذا الشىء غالى الثمن، فيمكن تشجيعه بأنه كلما وصل إلى مبلغ معين فسوف تكافئيه بمبلغ كمساعدة فى تحقيق هدفه. ومهما كنتِ تعتقدين أنه شىء غالى الثمن، فلا تحبطى ابنك أبداً أو تسفهى من أحلامه، واسمحوا لى أن أشارككم بموقف شخصى

:  منذ أيام كنت أتحدث مع طفل فى الصف السادس الإبتدائى فى إحدى التجمعات العائلية، وأخبرنا أنه يريد شراء سيارة «Hammer»، وأنه ادخر حتى الآن 1500 جنيه، أعجبت جداً بتفاؤله ومثابرته، ورغم أننى أعلم أن مازال أمامه الكثير جداً حتى يكمل المبلغ اللازم لشراء السيارة، إلا أننى أردت أن أشجعه.. فاقترحت عليه أن يستثمر جزءاً من هذا المبلغ فى عمل مشروع صغير يدر عليه ربحاً، لمعت عيناه وتحمس لمعرفة المزيد، فاقترحت عليه أن يصنع ميداليات مثلاً إن كان يحب الأعمال اليدوية، أو أن يوظف موهبته فى الرسم فى رسم لوحات ويبيع هذه الأشياء لأصدقائه أو أقاربه، نعم.. لن يشترى السيارة الآن ليس فقط لأن أمواله لا تكفى، لكن لأنه صغير، وربما حتى يكبر يكون قد تبدل حلمه، ليس هذا هو المهم، لكن المهم هو ما يتعلمه خلال هذه الرحلة وهو كثير.

جزء «الخير» يتصدق به: فمهما كانت العيدية التى حصل عليها طفلك قليلة، سيكون رائعاً أن يتعلم «الجود» حتى ولو كان ما معه قليل، وأن السخاء ليس مرتبطاً بالغنى والفقر، وأن هناك دائماً من هو أقل منه وأكثر احتياجاً منه، وأن إدخال الفرحة على الآخرين من أحب الأعمال إلى الله، هذه معانٍ وقيم لن يتعلمها ابنك بالمحاضرة ولكن بالفعل، الفتى نظره إلى أحد الأطفال الفقراء المحيطين بكم كابن حارس العقار الذين تسكنون فيه مثلاً، أو ابن الخادمة التى تساعدك فى تنظيف المنزل، أو اصطحبيه إلى إحدى الجمعيات الخيرية ودعيه يشترى هدية أو حلوى لطفل يتيم أو محتاج، ودعيه يرى بنفسه فرحة الطفل الفقير بهديته.

نتمنى أن تفيدينا بأفكارك وأن تحكى لنا بعد العيد عن تجربتك مع أبنائك والعيدية.:

موضوعات أخرى
التعليقات